المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
جعل الله العلم نورًا،
يهدي به القلوب،
ويصلح به الأعمال،
ويرفع به أقوامًا إلى مراتب عليا،
حتى قرن أهله بورثة الأنبياء.
قال النبي ﷺ:
«إن العلماء ورثة الأنبياء،
وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا،
إنما ورّثوا العلم،
فمن أخذه أخذ بحظ وافر»
غير أن هذا النور،
إذا فُقد منه الإخلاص،
تحوّل إلى أداة استعلاء،
وسُلّم للجاه،
ووسيلة للتفوّق الاجتماعي،
لا طريقًا للهداية.
وحينها لا تنطفئ بركته فحسب،
بل ينقلب على صاحبه،
فيحمله على الكِبر،
ويورثه نرجسية خفيّة،
لا تراها العيون،
لكن تنفر منها القلوب السليمة.
وهنا تأتي كلمات الإمام أبي حامد الغزالي
لا بوصفها سيرة ذاتية،
بل تشخيصًا خالدًا لمرض
يتكرر في كل عصر.
كان الغزالي في ذروة المجد العلمي:
متصدرًا المجالس،
مطلوبًا عند الأمراء،
مشهودًا له بالذكاء والبيان.
لكنه، بعد رحلة قاسية مع ذاته،
كتب كلمته الصادقة:
«أدركت أنني كنت أطلب العلم لا لله،
بل لأتفوق، وأغلب، وأُشار إليّ…
فاعتزلت، وأعدت حسابي مع نفسي»
هذه العبارة ليست ندمًا شخصيًا فحسب،
بل تحذيرًا عميقًا من داء خطير:
النرجسية العلمية.
داءٌ يصيب بعض المتفوّقين،
خصوصًا طلاب العلم الشرعي،
فيخلطون بين مقام العلم ومقام النفس،
فيتوهمون أنهم فوق الناس،
وأوصياء على قلوبهم،
فيقسُون، ويتعالون،
ويخسرون القبول في الأرض
والرضا في السماء.
العالم الرباني
لا يحتاج إلى منصة عالية ليُهاب،
ولا إلى جمهور واسع ليُحب.
تواضعه هو سلطانه،
وخشيتُه هي هيبته.
قال النبي ﷺ:
«من تواضع لله رفعه»
وقال ﷺ:
«ألا أخبركم بأهل الجنة؟
كل ضعيف متضعف،
لو أقسم على الله لأبره»
وانظر إلى موسى عليه السلام،
نبيٍّ كريم،
حين قصد الخضر ليتعلم،
فقال بأدب التلميذ:
«هل أتبعك على أن تعلّمني مما عُلّمت رشدًا»
نبيٌّ يطلب العلم بتواضع…
فكيف يتعالى به
من لم يبلغ عُشر علمه ولا عمله؟
الإمام مالك بن أنس
كان يُسأل عن مسائل كثيرة،
فيقول ببساطة: «لا أدري».
فقيل له: «إن الناس جاءوا من أقطار بعيدة!»
فقال: «فليرجعوا ويقولوا: إن مالكًا لا يعلم».
الإمام الشافعي قال:
«ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت أن يُجري الله الحق على لسانه»
الإمام أحمد بن حنبل
كان يخدم تلاميذه بنفسه،
ويأنف من مظاهر التعظيم،
ويعدّ العلم مسؤولية
لا امتيازًا.
في زماننا،
قد ترى طالب علمٍ حسن البيان،
قوي الحجة،
لكنه ضيّق الصدر بالنقد،
متحفّز لأي مخالفة،
لا يسلم إلا على من هم في “دائرته”،
ولا يسمع إلا لمن يوافقه.
يتحدث عن التواضع،
لكنه يتابع الأرقام.
يحدّث عن الإخلاص،
لكنه يقيس قيمته بعدد المتابعين.
وقد يتسرّب إلى قلبه شعور خفي
بأنه من “الناجين”،
وأن غيره مقصّر أو جاهل.
وهنا تكمن الكارثة:
أن يعيش الإنسان في فقاعة التفوّق،
وينسى أنه عبدٌ ضعيف،
سيُسأل عن علمه قبل غيره.
الناس — في كل الثقافات —
لا يحبّون المتكبّر،
مهما كان علمه.
الفطرة السليمة تنفر من الاستعلاء،
وتميل إلى اللين.
قال تعالى:
﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾
وقال في وصف عباد الرحمن:
﴿الذين يمشون على الأرض هونًا﴾
فالقلوب تُفتح بالتواضع،
لا بالعلو،
والناس يتعلمون من خُلُقك
أكثر مما يتعلمون من لسانك.
إياكم أن تجعلوا العلم جسرًا إلى الوجاهة،
بدل أن يكون طريقًا إلى الخشية.
أنتم اليوم تتعلمون،
وغدًا تُسألون:
هل أخلصتم؟
هل عملتم؟
هل رحمتم الناس بعلمكم؟
كونوا ممن:
إذا علموا، خافوا
وإذا فهموا، تواضعوا
وإذا نُصحوا، قبلوا
قال عبد الله بن المبارك:
«ربّ رجل في المشرق
يُستنزل به الغيث في المغرب،
وما ذاك إلا لصدقٍ بينه وبين الله»
اسأل نفسك بصدق:
لماذا تطلب العلم؟
إن كنت تطلبه
لتكون عبدًا أنقى،
وقلبك أخشع،
ونفسك ألين…
فأنت على الطريق.
وإن كنت تطلبه
لتكون أعلى من الناس،
وأشد حضورًا،
وأوسع شهرة…
فراجع نيتك
قبل أن يُسحب منك النور.
العلم نور،
لا يسكن قلبًا متكبرًا.
ولا يُعرف العالم
بكثرة متابعيه،
بل بصدق دموعه
حين يخلو بربه.