المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في خِضَمِّ الحياة اليومية،
بما تحمله من تسارع وضغوط،
وتشابك علاقات، وتباين طبائع،
يحتاج الإنسان إلى مهارةٍ نادرة
لا تُدرَّس في المناهج،
ولا تُمنَح بالشهادات:
التصالح مع النفس.
هو ذلك الفن الهادئ
الذي يُمكِّن الإنسان من تجاوز الاستفزازات
دون أن يخدش كرامته،
ومن امتصاص الأذى
دون أن يتحوّل إلى ساحة صراع داخلي،
ومن العيش بسلام
دون أن يكون ضعيفًا أو متنازلًا عن حقه.
التصالح مع النفس
لا يعني الرضا عن الخطأ،
ولا التهاون في الحقوق،
ولا قبول الظلم.
بل يعني أن تعيش
وأنت مدركٌ لقيمتك،
واعٍ بنقاط قوتك وضعفك،
غير مستنزَف عند كل كلمة،
ولا مقيَّد بكل تصرّف.
هو أن تعرف:
متى تتكلم
ومتى تصمت
ومتى تواجه
ومتى تتجاوز
ومتى يكون الرد قوة
ومتى يكون التغافل عين الحكمة
قال الحسن البصري رحمه الله:
«ما زال التغافل من فعل الكرام»
التغافل ليس غفلة،
وليس ضعفًا،
بل ذكاء عاطفي راقٍ.
هو أن ترى الخطأ
وتختار ألا تمنحه حجمًا أكبر من قدره.
أن تسمع الكلمة الجارحة
وتسقطها من حساباتك،
لا عجزًا،
بل رفعة.
فلو توقفت عند كل نظرة،
وكل عبارة،
وكل تصرّف غير لائق،
لما صفا لك عيش،
ولا استقر لك قلب.
كم من إنسانٍ استفزّه موقف،
فردّ بغضب واندفاع،
ثم ماذا؟
هل تغيّر الواقع؟
أم تغيّر فقط ميزان العقل،
وخسرت الكلمات وقارها؟
قال النبي ﷺ:
«ليس الشديد بالصرعة،
إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
التحكم بالنفس عند الغضب
ليس ضعفًا،
بل بطولة نادرة
لا يُتقنها إلا من انتصر على داخله أولًا.
من الخطأ أن يبرّر الإنسان حدّة انفعاله بقوله:
«هذه طبيعتي».
فالانفعال المفرط
قد تكون له أسباب نفسية،
أو عضوية،
أو نقص في عناصر حيوية
تؤثر مباشرة في المزاج والسلوك.
ومن تجربة شخصية:
مررتُ بسنواتٍ كنتُ فيها سريع الغضب،
متقلّب المزاج،
حتى تبيّن بعد فحص طبي شامل
وجود نقص حاد في فيتامين (د)
أقل من 12 نانوغرام/مل.
وبعد بدء العلاج،
ظهر تحسّن ملحوظ في الاستقرار النفسي
وهدوء في الانفعال.
مما يؤكد أن بعض ما نظنه أخلاقًا
قد يكون في حقيقته
حالة بيولوجية قابلة للعلاج.
من النماذج المعاصرة
التي جسّدت التصالح مع النفس،
الفنان الراحل سمير غانم رحمه الله.
لم يكن عالمًا ولا داعية،
لكن من عرفه أو تابعه
أجمع على هدوئه،
وبشاشته،
وخفة روحه،
وقدراته الواضحة
على تجاوز الاستفزاز
دون احتقان أو ضغينة.
في المواقف المفاجئة،
لم يُرَ يومًا غاضبًا أو متجهّمًا،
بل كان يواجه الموقف
بابتسامة، أو طرفة،
أو سلوك يدل على نفس مطمئنة.
وذلك — في جوهره —
ثمرة تصالح داخلي عميق.
حين تُحسن الظن بالناس،
وتضع لهم أعذارًا،
وتدرك أن لكل إنسان ظروفًا لا تراها،
فأنت لا تُنقذهم…
بل تُنقذ نفسك
من حمل الأحقاد.
قال النبي ﷺ:
«خير الناس من يألف ويؤلف»
الابتسامة ليست مجاملة سطحية،
بل أداة تهدئة،
ورسالة سلام،
وكسر لحدّة التوتر.
قال ﷺ:
«تبسّمك في وجه أخيك صدقة»
كم من خلافٍ
كان يمكن أن يتحوّل إلى قطيعة،
لولا بسمة هادئة،
أو تغافل كريم.
حين تتصالح مع نفسك:
لا تنتظر من الناس الكمال
لا تنكسر بالنقد
ولا تتضخم بالمدح
ولا تحمل الأذى معك طويلًا
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«أعقل الناس أعذرهم للناس»
لن يسلم أحد في هذه الحياة
من الأذى، أو الجهل، أو سوء الفهم.
لكن أعظم أبواب الطمأنينة
هو أن تختار ردّك بحكمة.
لا تجعل من كل عثرة معركة،
ولا من كل اختلاف جبهة قتال.
تعامل مع الحياة بسلاسة،
ومع الناس بحسن نية،
ومع نفسك برحمة.
فأنت لست مسؤولًا عن أفعال الآخرين،
لكنّك مسؤول تمامًا
عن ردودك.
اختر الرقي… تكن سيّد الموقف.