المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في زحام الحياة،
وبين لهو الدنيا وزخرفها،
ينسى الإنسان — أو يتناسى —
أن لكل بداية نهاية،
وأن كل نفسٍ يقطعه
يقرّبه خطوة من مصيره المحتوم.
وسط هذا الضجيج،
يأتي كلام النبي ﷺ هادئًا، قصيرًا،
لكنه كالسهم النافذ إلى القلب:
«قل آمنت بالله، ثم استقم»
رواه مسلم
حديثٌ قليل الألفاظ، عظيم المعاني،
يلخّص طريق النجاة،
ويضع للمؤمن خريطة واضحة
للسير إلى الله دون تعقيد ولا التفاف.
قول النبي ﷺ:
«قل آمنت بالله»
ليس مجرد نطق باللسان،
بل إعلان داخلي صادق:
إيمان بالقلب
وتصديق بالقول
وترجمة بالفعل والعمل
لكن الإيمان — وحده —
لا يكتمل إلا إذا تُوِّج بالاستقامة.
والاستقامة هي الثبات على أمر الله،
والسير على صراطه دون ميل مع هوى،
ولا انحراف خلف شهوة.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
«الاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم،
وهو الدين القويم،
من غير ميلٍ يمينًا ولا شمالًا.»
فالاستقامة ليست لحظة حماس،
ولا موسمًا عاطفيًا،
بل نهج حياة متواصل.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ
أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
(فصلت: 30)
هذه الآية ليست وصفًا نظريًا،
بل مشهد حقيقي
عند أعظم لحظة في حياة الإنسان: لحظة الرحيل.
لا خوف على المستقبل
ولا حزن على الماضي
وبشرى بالجنة
أي طمأنينة أعظم من هذه؟
قال زهير بن أبي سلمى:
رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تُصِبْ
تمُتْ ومن تُخطئ يُعمَّر فيهرمِ
بيتٌ يختصر حقيقة مرعبة:
الموت لا يختار حسب التوقعات،
ولا يلتزم بقوانين البشر.
قد يُخطئ الكبير،
ويُصيب الشاب،
وقد يأتي بغتة بلا مقدمات.
فهل يُعقل أن نؤجّل الاستقامة
وكأننا نملك ضمان العمر؟
كم يومًا مضى ونحن نُسوّف؟
كم ساعة ضاعت فيما لا يقرّبنا من الله؟
قال الحسن البصري رحمه الله:
«يا ابن آدم، إنما أنت أيام،
كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك.»
العمر ليس رصيدًا ثابتًا،
بل رصيدٌ يتناقص
مع كل شروق شمس.
جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم رحمه الله، فقال:
أُذنب ثم أستغفر، ثم أعود.
فقال له إبراهيم:
«إذا أردت أن تعصي الله،
فاعصه في مكان لا يراك فيه،
ولا تأكل من رزقه،
ولا تمشِ على أرضه.
فإن لم تستطع،
فاستحِ من الله، واستقم.»
كلمات قليلة،
لكنها كسرت حجج النفس،
وأعادت الميزان إلى موضعه.
الاستقامة ليست حكرًا على الكاملين،
ولا وقفًا على الزهّاد.
هي طريق مفتوح
لكل من صدق مع الله،
مهما كثرت ذنوبه.
قال تعالى:
﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾
(الفرقان: 70)
باب الله لا يُغلق،
لكن الأعمار تُغلق فجأة.
نحن في رحلة قصيرة،
والعودة إلى الله هي النهاية الحتمية.
فلنجعل هذا الحديث
دستورًا لحياتنا،
لا مجرد نص نردّده:
«قل آمنت بالله، ثم استقم»
لا تؤجّل التوبة،
ولا تؤخّر الاستقامة،
فلعلّ هذا اليوم…
هو الأخير.