المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
أترى أنك ظلمتها؟
أم أن الظلم هو ما تراه حقًا؟
تصلنا أحيانًا قصصٌ يرويها أصحابها بلهجة الواثق،
كأنهم يطلبون تصديقًا لا حكمًا،
وتبريرًا لا ميزانًا.
قصصٌ يُقدَّم فيها الظلم على أنه حق،
ونكران الجميل على أنه واقعية،
والخيانة على أنها تفكير بالمستقبل.
وهذه واحدة من تلك القصص،
لكنها ليست مجرد حكاية شخصية،
بل مرآة مكشوفة لمعنى الرجولة
حين يُفرَّغ من أخلاقه،
ويُختزل في شهوةٍ أو مصلحةٍ أو رقم عمر.
سبع سنوات كاملة من الخطوبة.
سبع سنوات من الانتظار، والصبر، والتحمّل، والدعم،
والمواجهة مع الأهل،
والمشاركة في جمع المال،
والمساندة في أحلك الظروف.
سبع سنوات كانت فيها المرأة شريكة همّ، لا متفرجة؛
سندًا، لا عبئًا؛
وفيةً، لا متطلبة.
لم تكن هذه السنوات نزهة في العمر،
ولا فراغًا عابرًا،
بل كانت تُقتطع من شبابها،
ومن فرصها،
ومن مستقبلها،
وتوضع بين يديك أمانة.
حين انتهت ظروفك، وهدأت العاصفة،
وشُفي الجرح الأكبر،
نظرتَ إليها لا بعين الشريك،
بل بعين المستهلك.
لم تعد المرأة التي صبرت،
بل أصبحت في نظرك امرأة كبرت.
لم تعد رفيقة درب،
بل صارت رقمًا في خانة العمر.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقسوة:
من الذي كبر حقًا؟
أهي التي انتظرت؟
أم ضميرٌ تقزّم
حتى لم يعد يرى من الإنسان إلا نفعه؟
الوفاء — يا من تسأل عن حقك —
ليس عقدًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء الحاجة.
الوفاء خُلُقٌ ثابت،
لا يُستدعى وقت الشدة ويُطرَد وقت الرخاء.
قال الله تعالى:
﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾
فأين ذهب الفضل؟
وأين ذهبت المروءة؟
وأين اختفت الرجولة
التي لا تقوم إلا على الاعتراف بالجميل؟
تبلغ القسوة ذروتها
حين تُخيَّر امرأة صبرت سبع سنوات
أن تنتظر لتكون زوجة ثانية،
وكأنها تُكافأ على وفائها بالفتات،
وكأن كرامتها قابلة للتأجيل،
وكأن العِشرة تُستبدل بعرضٍ بارد
يخلو من أي احترام.
أي منطق هذا؟
وأي دين؟
وأي رجولة تجيز أن يُكسر قلب امرأة
ثم يُطلب منها الصبر مرة أخرى؟
حتى الذريعة الطبية
لا تصمد أمام الفحص الأخلاقي والعلمي.
فالثالثة والثلاثون
ليست عائقًا قاطعًا للإنجاب،
بل من الأعمار الطبيعية طبيًا ونفسيًا.
لكن الحقيقة ليست في العمر،
الحقيقة في الرغبة
في البدء من جديد
دون تحمّل مسؤولية الماضي،
وفي البحث عن صفحة نظيفة
بعد تمزيق الصفحة
التي كُتب فيها الوفاء.
الرجولة لا تُختبر
حين تكون ضعيفًا محتاجًا،
بل حين تقوى وتملك الخيار.
الرجولة
أن تعود لمن وقف معك
حين لم يكن في يدك شيء،
لا أن تتخلى عنه
حين أصبح الطريق معبّدًا.
والذي يبيع الوفاء مرة،
لن يحفظه مرة أخرى،
مهما غيّر الوجوه والظروف.
ليس من العيب أن تفكّر بمستقبلك،
لكن العار كل العار
أن تُدمّر مستقبل غيرك
الذي بُني على الانتظار لأجلك.
الرجولة أخلاق.
الرجولة دين.
الرجولة وفاءٌ لا يُساوَم عليه.
ومن لم يفهم هذه المعاني،
فلا يغضبنّ إن قيل له
بصدقٍ لا يعرف المجاملة:
أنتَ ذكر… ولكنك لستَ رجلًا.