المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في خضمّ ما يشهده عالمُنا المعاصر من اضطرابٍ في القيم،
واختلالٍ في الموازين،
وتيهٍ أخلاقيٍّ يتخفّى أحيانًا خلف شعاراتٍ برّاقة؛
تتبدّى حقيقةٌ لا تقبل الجدل:
الأخلاق هي الميزان الحقّ
الذي تُوزن به الأمم،
وبه تُعرف منازل البشر رفعةً أو سقوطًا.
وقد لخّص أمير الشعراء أحمد شوقي هذه الحقيقة الخالدة في بيتٍ
صار دستورًا للحياة الإنسانية الرشيدة:
فسادُ أمركَ للأخلاقِ مرجعُه
فقوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تستقمِ
ليست الأخلاق زينةً تُضاف إلى الإنسان متى شاء،
ولا ترفًا فكريًا يُستحسن وجوده ويُستغنى عنه عند الحاجة،
بل هي جوهر الكيان الإنساني،
ولُبّ رسالته في هذه الحياة.
فما من رسالةٍ سماويةٍ نزلت،
ولا نبيٍّ بُعث،
إلا وكانت الأخلاق في صميم دعوتهم،
حتى قال خاتمهم ﷺ:
«إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق.»
فالدين لم يأتِ ليغرس العقيدة في العقول فحسب،
بل ليصوغ الإنسان صياغةً أخلاقيةً راقية،
تجعل من القيم عمودًا فقريًا للحياة،
لا قيام للفرد ولا للمجتمع بدونه.
الأخلاق ليست خُطبًا تُلقى،
ولا شعاراتٍ تُرفع،
بل هي سلوكٌ يُمارَس:
هي الشهامة حين يخذل الناس
وهي الرجولة عند الشدائد
وهي العفّة حين يضعف كثيرون
وهي الحِلم عند الغضب
وهي الكرم زمن الشحّ
وهي النصيحة الصادقة حين لا يُراد بها إلا وجه الله
هي الإخلاص الذي لا يعرف رياءً،
ولا ينتظر ثناءً،
ولا يتغيّر بتغيّر المصالح.
حين تُفقَد هذه القيم، أو تُهمَّش،
لا يخسر الإنسان صورته أمام الناس فحسب،
بل يخسر نفسه،
ويصبح أداة فسادٍ بدل أن يكون لبنة إصلاح.
وهنا تتجلّى خطورة الأمر؛
فالأخلاق ليست طريقًا لمحبة الناس فقط،
بل بابٌ من أبواب النجاة الأخروية.
ألم يقل النبي ﷺ:
«أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا.»
ما بالنا نرى مجتمعاتٍ غير مسلمة تتقدّم في ميادين الحياة؛
لأنها أقامت شؤونها على الصدق، والنظام، والعدل،
وتحمّل المسؤولية؟
ثم نرى في المقابل أممًا تحمل الوحي،
وتنتسب إلى نبيّ الأخلاق،
لكنها تتراجع…
لا لفقرٍ في العقول،
ولا لنقصٍ في الموارد،
بل لخللٍ أخلاقيٍّ عميق.
فحُسن الخلق في الإسلام
ليس مسألةً سلوكيةً هامشية،
بل دليلٌ على صدق الإيمان،
وثمرةٌ من ثمار العقيدة الصحيحة.
المجتمع الذي يتشح بالأخلاق مجتمعٌ متماسك،
تسوده الرحمة،
ويحكمه العدل،
وتستنير طرقه بالحكمة.
فيه تُصان الأمانات،
وتُرد الحقوق،
ويُكرم الضعيف،
وتُحفَظ كرامة المرأة والغريب،
ويعلو صوت الضمير فوق ضجيج المصالح.
هكذا تُبنى الأمم،
وهكذا تُخلَّد الحضارات.
إن ما نراه من انهيارٍ في كثيرٍ من مجتمعاتنا
ليس نتيجة فقرٍ مادي،
ولا ندرة في الطاقات،
بل نتيجة مباشرة لانهيارٍ أخلاقي،
وغيابٍ للإخلاص،
واستمراءٍ للكذب والغشّ والأنانية.
ولو أننا أعدنا الأمور إلى أصولها،
وقوّمنا أنفسنا بالأخلاق،
لَبدّل الله حالنا، كما قال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
لسنا اليوم بحاجة إلى مزيدٍ من الخُطب الرنّانة،
ولا إلى تنظيرٍ مجرّد،
بل إلى قدواتٍ أخلاقية
تجسّد ما تقول،
وتُترجم الدين سلوكًا،
كما كان رسول الله ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض.
فلنبدأ بأنفسنا،
ولنجعل الأخلاق دستور حياتنا في السرّ والعلن،
في البيت، والعمل، والشارع.
فصلاح الأمة يبدأ من صلاح الفرد،
وغنى الإنسان الحقيقي في غنى نفسه،
وقوة المجتمعات في أخلاقها.
فسادُ أمركَ للأخلاقِ مرجعُه
فقوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تستقمِ