المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
في السنوات الأخيرة، شهدنا بزوغ نجمٍ جديد في عالم بيع الأجهزة الإلكترونية.
نجمٌ لا ينافسه نجم هوليوودي، ولا حتى نجم سهيل في ليالي البادية.
إنه التأمين الإضافي… ذاك الكائن الغريب الذي لا يظهر إلا بعد أن تضع يدك على الجهاز، وتتهيّأ للدفع، فتكتشف فجأة أنك دخلت عرضًا مسرحيًا كاملًا… دون تذكرة!
هل جرّبت يومًا شراء هاتف آيفون من أحد المعارض الكبيرة؟
إن لم تفعل، فدعني أصف لك المشهد.
تدخل المتجر واثق الخطوة، تمشي ملكًا، تعرف ما تريد،
أجريت بحثًا معمّقًا، وضعت ميزانيتك بدقّة،
وأقسمت بينك وبين نفسك: لن أدفع ريالًا واحدًا فوق سعر الجهاز.
لكن…
عند نقطة الدفع، تبدأ الدراما الهندية.
أحدهم يبتسم ابتسامة بريئة،
ولا أحد يذكر كلمة «تأمين» بصراحة.
بل يبدأ البائع باستخدام لغة خاصة،
تُدرَّس — على ما يبدو — في دورات فن الإقناع بالتضليل المتقدّم.
يقترب منك، يخفض صوته، ويهمس وكأنه يحمل سرًا من أسرار الأمن القومي:
الجهاز حساس جدًا…
لو صار زلزال في السلفادور، ممكن ينكسر ظهر الجوال!
السلفادور!
ثلاثة عشر ألف كيلومتر…
ومع ذلك هاتفك سيتأثر نفسيًا بالهزّة…
ربما بدافع التعاطف الإنساني!
ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية: القصة المأساوية.
ولد خالتي…
كان بكشتة، بالخيمة، على سجاد، وتحته رمل،
والجوال وقع من جيبه نص متر…
وانكسرت الشاشة!
رغم الكفر،
ورغم واقي الشاشة،
ورغم دعاء الوالدة الصادق!
وهنا…
ينهار عقلك،
وتبدأ بالتشكيك في قوانين الفيزياء،
وفي وجود شيء اسمه Gorilla Glass.
ثم تأتي الضربة القاضية.
غمزة خفيفة، ونبرة المنتصر:
عشان كذا عندنا تأمين…
إذا صار أي شيء — أي شيء — نبدّله لك.
بس لازم سنتين… سنتين أقل شي.
وأنت، في لحظة ضعف إنساني،
وخوفٍ من زلزال وهمي، تقول لنفسك:
يمكن… خلّيني آخذ سنة بس… احتياطًا…
يمكن اليابان تنفجر… يمكن الخيمة تنقلب!
فتدفع.
ويطير البائع ليخبر المدير:
تمت المهمة بنجاح…
الزبون وقّع العقد…
أقصد التأمين!
تمر سنة كاملة.
يسقط الهاتف عشرين مرة.
يُرمى، يُدهس، يُقذف من السيارة.
ولا يحدث له شيء!
فتكتشف الحقيقة الصادمة:
أنت لم تشترِ هاتفًا…
بل حجرًا كريمًا متنكرًا في هيئة جهاز إلكتروني.
وتدرك أن كل تلك القصص
لم تكن إلا نصًا محفوظًا،
يُلقَّن للبائعين كما تُلقَّن مسرحيات المدارس.
إلى البائع المحترف في فن التهويل:
اذكر التأمين، لا بأس.
لكن بلا تمثيل،
وبلا زلازل وهمية،
وبلا قصص أقارب سقطت هواتفهم
ضحايا لقوانين فيزيائية غامضة.
أما التاجر الصدوق،
فقد صار ذكره في كتب التاريخ،
إلى جوار ديناصورات العصر الطباشيري.
اللهم لا تجعلنا من قومٍ يُخدَعون في كل مرة،
واهدِ من باعوا الأمانة إلى الصدق من جديد.
فقد صار الهاتف أثقل من الأخلاق،
وأغلى من الصراحة،
وأطول عمرًا من بعض الضمائر!