المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
منذ الأزل، قبل أن تطأ قدمُ بشرٍ أرضًا، وقبل أن تُودَع في صدر إنسانٍ نفسٌ تتقلّب بين النور والظلمة، وُجِد الاستعلاء.
لم يكن وليد لحظةٍ عابرة، ولا نزوةَ نفسٍ طارئة، بل كان أول معصية عُصيَ بها الله، وأول انحرافٍ في ميزان الطاعة.
كان فاعلها جنيًّا عبد الله آلاف السنين، فلما ابتُلي بالسجود لآدم، أبى واستكبر، وكان من الكافرين.
قال الله تعالى:
﴿ما منعك أن تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين﴾
لم يكن امتناعه اعتراضًا عقليًا، ولا جدلًا منطقيًا،
بل كان كبرًا محضًا، واستعلاءً خالصًا، وتقديمًا لرأيه على أمر الله.
فكان جزاؤه الطرد،
والطرد ليس إخراجًا من مكان،
بل إخراجٌ من الرحمة،
وأي عقوبةٍ أعظم من ذلك؟
وهكذا وُلد أول استعلاءٍ في الخليقة،
استعلاءٌ أسّس لعداوةٍ أبدية،
وجعل إبليس هدفه أن يُسقط الإنسان كما سقط،
وأن يجرّه إلى الكِبر والطغيان، ثم إلى المصير نفسه.
من رحم تلك القصة الإبليسية، تناسلت صور الاستعلاء في حياة البشر،
وخاصة عند من تذوّقوا طعم السلطة، أو ذاقوا نشوة الجاه، أو أُشير إليهم بالبَنان.
فتراه حين يكون في القمّة يتعالى،
وحين تدور عليه الأيام يعجز عن النزول حيث كان يضع غيره.
تخيّل مديرًا كانت بيده التوقيعات، وكان يُخشى حضوره،
ثم أصبح موظفًا عاديًا تحت إدارة من كانوا يخافونه بالأمس.
كم نفسًا ستضطرب؟
وكم كِبرًا دفينًا سيظهر؟
وكم صوتًا إبليسيًا سيهمس:
كيف تقبل بهذا؟
وهنا يُمتحن الإنسان حقًا،
لا حين يعلو، بل حين ينزل.
وهنا يُعرف الشاكر من الطاغي،
والحكيم من الأحمق،
والمتقي من المتكبر.
في أحد مشاهد مسلسل صقر قريش، قال أمير قرطبة — وقد جاءه الناس يطلبون منه التنازل لعبدالرحمن الداخل —:
كنتم تلحّون عليّ أن أقبل بالإمارة، وكنت رافضًا،
فلما ذُقت حلاوتها تريدونني الآن أن أتنازل؟
لا والله لا أفعل.
هذا المشهد يلخّص إدمان العلو؛
فالمكانة إن لم تُضبط بالتقوى،
تحوّلت إلى نارٍ تحرق صاحبها ومن حوله.
من فقه سنن الله في الخلق، علم يقينًا أن:
كل من علا، قد ينزل.
وكل من حكم، قد يُحكَم عليه.
وكل من أمر، قد يُؤمَر.
وكل من ساد، قد يصبح تابعًا.
وهنا تتجلّى حكمة العاقل المتقي:
إذا نزلت رتبته لم يتغيّر قلبه،
وإذا انخفض قدره الاجتماعي لم تهتز نفسه،
لأنه يعلم أن الأيام دُوَل،
وأن القيمة الحقيقية ليست في المنصب، بل في الخُلُق.
قال تعالى:
﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾
وقال النبي ﷺ:
من تواضع لله رفعه
العلوّ الذي يبقى ليس علو الكرسي،
ولا رفعة الجاه،
بل علو النفس.
المنصب يزول،
والرتبة تفنى،
والتاريخ لا يخلّد إلا من كان كبيرًا في خُلُقه،
ولو صغر في منصبه.
من تواضع في القمّة، هان عليه التواضع في السفح.
ومن علا بنفسه، لم يضرّه أن يُدارى بمنصب.
ومن علم أن الله هو الرفيع،
وأن كل علوٍّ سواه إلى زوال،
عاش مطمئنًا، رضي في العسر كما رضي في اليسر.
فلنكن ممن علّمهم الله التواضع عند الرفعة،
والرضا عند النقص،
والاتزان عند تقلّب الأحوال.
فمن فعل ذلك،
نجا من فتنة إبليس،
وارتقى في مدارج الصالحين،
وكان عند الله عزيزًا
ولو صغر في أعين الناس.