Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م

من بلاغة الوحي إلى فصاحة الخطاب

كيف نستلهِم من القرآن فنّ شدّ الانتباه

في عالمٍ ازدحمت فيه الكلمات، وتسابقَت فيه الأصوات، لم يعد كافيًا أن تقول شيئًا مهمًا،
بل صار الأهم: كيف تقوله.

كم من فكرةٍ عظيمةٍ ضاعت، لا لضعفها، بل لسوء تقديمها،
وكم من خطابٍ فارغٍ حاز الانتباه، لا لقيمته، بل لحُسن افتتاحه.

وهنا، نقف أمام مدرسةٍ لا تُجارى، ولا يُدانِيها بيان، ولا ينافسها تأثير:
القرآن الكريم.

فمن أراد أن يتعلّم فنّ شدّ الانتباه، وفقه التمهيد للكلام، وفتح الآذان قبل العقول،
فليتأمّل بدايات السور، وليُدقّق في أسرار افتتاح الخطاب الإلهي.


الحروف المقطّعة: كسر التوقّع وإثارة الفضول

الم – ص – كهيعص – يس

هذه الحروف، التي حيّرت العرب — وهم سادة اللغة والفصاحة —
لم تكن عبثًا لفظيًا، ولا زينةً صوتية، بل كانت صدمة بلاغية محسوبة في صدر الكلام.

كان العربي يسمعها فيتوقّف، ينتبه، يتساءل:
ما هذا؟ أقسمٌ هو؟ أسماء؟ رموز؟

وهنا تحقّق الهدف:
انكسر روتين السمع، وانفتح الذهن للتلقّي.

وهذا درسٌ بالغ العمق:
إن أردت أن تشدّ انتباه الناس، فابدأ بما لا يتوقّعونه،
بكلمة تثير السؤال، أو عبارة تُحدث فراغًا ذهنيًا لا يُملأ إلا بالإنصات.


السؤال الذي لا يُتجاهَل

هل أتاك حديث الغاشية؟
ألم ترَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟
أرأيت الذي يكذّب بالدين؟

السؤال ليس مجرد أداة لغوية، بل مفتاحٌ للعقل.

حين يُفتتح الخطاب بسؤال، لا يعود المستمع متلقيًا سلبيًا،
بل يصبح شريكًا في التفكير، يُسأل عقله قبل أن يُخاطَب سمعه.

السؤال يُجبر الذهن على التوقّف، ويوقظ الفضول،
ويجعل السامع يبحث عن الجواب حتى قبل أن يُقال له.

وهذا من أبلغ أساليب شدّ الانتباه:
أن تجعل المخاطَب جزءًا من الخطاب، لا مجرد شاهدٍ عليه.


الخبر العظيم: صناعة الترقّب والتشويق

اقتربت الساعة وانشقّ القمر
عمّ يتساءلون؟ عن النبأ العظيم
إنّا أنزلناه في ليلة القدر

في هذه الافتتاحيات، يُلقى في روع السامع أنه أمام أمرٍ جلل،
وخبرٍ ليس عاديًا.

لا مجال للمرور العابر، ولا للتلقّي الكسول،
بل استعدادٌ نفسي وذهني لإنصاتٍ كامل.

تقديم الخطاب بوصفه نبأً عظيمًا
يهيّئ القلب والعقل معًا، ويجعل المستمع ينتظر قبل أن يسمع.


كيف نستفيد من هذه الأساليب اليوم؟

هذه البلاغة ليست حكرًا على النص القرآني،
بل دروس عملية لكل من يخاطب الناس:

  • إن كنت معلّمًا أو خطيبًا:
    ابدأ بسؤال غير متوقّع، أو جملة تكسر الرتابة.

  • إن كنت كاتبًا:
    لا تبدأ بتعريف مباشر، بل بضربة فكرية، أو مشهد، أو مفارقة.

  • إن كنت تقدّم مشروعًا أو فكرة:
    ابدأ بقضية تمسّ الحضور قبل التفاصيل التقنية.

البداية القوية لا تشرح كل شيء،
بل تجعل السامع يريد أن يسمع كل شيء.


القرآن: كتاب البلاغة والتأثير

القرآن ليس كتاب تشريع فحسب،
ولا قصصًا وحِكمًا فقط،
بل هو دستورٌ في فن الخطاب.

كل كلمة فيه موضوعة بميزان،
تخاطب العقل حينًا، والقلب حينًا،
ولا تُغفل الضمير أبدًا.

ومن يتدبّره بعين الوعي،
يدرك أن البلاغة فيه ليست ترفًا لغويًا،
بل وسيلة هداية وتأثير.


خاتمة

حين نقرأ القرآن بعين المتدبّر لا بعين المتعوّد،
نكتشف أنه ليس فقط كتاب هداية،
بل أيضًا كتاب خطاب.

ومن أراد أن يكون لكلامه أثر،
ولصوته حضور،
ولبيانه بقاء،
فليتعلّم من الوحي كيف يبدأ الحديث،
قبل أن يُتقن كيف يُنهيه.

Responsive Counter
General Counter
16813
Daily Counter
464